النويري
238
نهاية الأرب في فنون الأدب
قائل إن أنصفتنى ؟ قال : أصعد فأحمد اللَّه وأثنى عليه وأصلَّى على نبيّه ، ثم أقول : أيها الناس ، إنّ معاوية أمرني أن ألعن عليّا ، ألا وإنّ عليّا ومعاوية اختلفا واقتتلا ، وادّعى كلّ واحد منهما أنه مبغىّ عليه وعلى فئته ، فإذا دعوت فأمّنوا رحمكم اللَّه ؛ ثم أقول : اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه ، والفئة الباغية على المبغىّ عليها ، آمين يا ربّ العالمين ؛ فقال معاوية : إذن نعفيك يا أبا بحر . وأتى الأحنف مصعب بن الزبير يكلَّمه في قوم حبسهم فقال : أصلح اللَّه الأمير ، إن كانوا حبسوا في باطل فالحقّ يخرجهم ، وإن كانوا حبسوا في حقّ فالعفو يسعهم ؛ فحلَّاهم . ولما قدم وفد العراق على معاوية وفيهم الأحنف ، خرج الآذن فقال : إنّ أمير المؤمنين يعزم عليكم الَّا يتكلَّم أحد إلَّا لنفسه ، فلما وصلوا اليه قال الأحنف : لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته « 1 » أن دافّة ( أي الجماعة ) دفّت « 2 » ، ونازلة نزلت ، ونائبة نابت ، وكلَّهم بهم الحاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبرّه ؛ فقال : حسبك يا أبا بحر ، فقد كفيت الغائب والشاهد . ولما خطب زياد بن أبيه بالبصرة قام الأحنف فقال : للَّه الأمير ! قد قلت فأسمعت ، ووعظت « 3 » فأبلغت ؛ أيها الأمير ، إنما السّيف بحدّه ، والقوس بشدّه ، والرجل بمجده ؛ وإنما الثناء بعد البلاء ، والحمد بعد العطاء ؛ ولن نثنى حتى نبتلى ، ولا نحمد حتّى نعطى .
--> « 1 » في الأصل : « لأجزته » بالجيم والزاي المعجمتين ؛ وهو تحريف . « 2 » دفت : أتت . « 3 » في الأصل : « ودغطت » ؛ وهو تصحيف .